رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 13:

ما هو الحل الذي يُعتمد بالنسبة لآلام صدرية ـ لا تُطاق ـ غير عضوية، بسبب عُصاب نفسي جاء بعد صدمة؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

بسم الله الرحمن الرحيم.
إن المؤمن بالله عز وجل قوي بالله ؛ وهذا هو السر في أن المؤمن يكون قوي الجنان إذا أصابته المصائب وحلت بساحته الأزمات لم تترك نفس الآثار التي عادة ما تتركها عند غيره، فهي لا تلبث أن تنفرج عنه؛ لأنه لا يستسلم لها ضعفا وخورا لكنه يعوذ بالله من شرها ويلتجئ إلى الله ليرفعها عنه؛ وبالتالي يخرج من مصارعتها وقد أكسبته قوة لم تكن له قبل حلولها بساحته.
قال تعالى : " الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)"سورة البقرة.
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ أَتَانِي أَبُو سَلَمَةَ يَوْمًا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم فَقَالَ لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم قَوْلا فَسُرِرْتُ بِهِ قَالَ لا تُصِيبُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مُصِيبَةٌ فَيَسْتَرْجِعَ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إلا فـُـعِلَ ذَلِكَ بِهِ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : فَحَفِظْتُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ اسْتَرْجَعْتُ [أي قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون] وَقـُـلْتُ : اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَاخْلُفْنِي خَيْرًا مِنْهُ. ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي؛ قُلْتُ : مِنْ أَيْنَ لِي خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟
فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم وَأَنَا أَدْبُغُ إِهَابًا [الإهاب : الجلد قبل الدبغ] لِي فَغَسَلْتُ يَدَيَّ مِنْ الْقَرَظِ [القرظ : ورق شجر يدبغ به] وَأَذِنْتُ لَهُ فَوَضَعْتُ لَهُ وِسَادَةَ أَدَمٍ [الأدم : الجلد المدبوغ]حَشْوُهَا لِيفٌ فَقَعَدَ عَلَيْهَا فَخَطَبَنِي إِلَى نَفْسِي. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَقَالَتِهِ قـلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِي أَنْ لا تَكُونَ بِكَ الرَّغْبَةُ فِيَّ وَلَكِنِّي امْرَأَةٌ فِيَّ غَيْرَةٌ شَدِيدَة؛ٌ فَأَخَافُ أَنْ تَرَى مِنِّي شَيْئًا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ بِه،ِ وَأَنَا امْرَأَةٌ دَخَلْتُ فِي السِّنِّ، وَأَنَا ذَاتُ عِيَالٍ.
فَقَالَ : أَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنْ الْغَيْرَةِ فَسَوْفَ يُذْهِبُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْكِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنْ السِّنِّ فَقَدْ أَصَابَنِي مِثْلُ الَّذِي أَصَابَكِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنْ الْعِيَالِ فَإِنَّمَا عِيَالُكِ عِيَالِي.
قَالَتْ : فَقَدْ سَلَّمْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم؛ فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم؛ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَقَدْ أَبْدَلَنِي اللَّهُ ِبأَبِي سَلَمَةَ خَيْرًا مِنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم ). [مسند أحمد - (ج 33 / ص 83)15751] و مسلم.
وأول ما تـنـزل بالمسلم المصيبة ـ و المصيبة عامة في الصدمة وغيرها ـ يجب عليه أن يتسلح بالصبر والصلاة قال تعالى: "وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)"سورة البقرة.
و يقول عز وجل كذلك " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصََّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)"سورة البقرة.
وهذا ما جعل الرسول صلى الله عليه و سلم يوجه المرأة المصابة بمصيبة فقد ولدها بأن تتقي الله و تصبر: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم أَتَى عَلَى امْرَأَةٍ تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا، فَقَالَ لَهَا: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي. فَقَالَتْ: وَمَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي. فَلَمَّا ذَهَبَ؛ قِيلَ لَهَا: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم فَأَخَذَهَا مِثْلُ الْمَوْتِ. فَأَتَتْ بَابَهُ فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ؛ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَعْرِفْكَ. فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ أَوْ قَالَ عِنْدَ أَوَّلِ الصَّدْمَةِ. أخرجه أحمد والبخاري ومسلم واللفظ له.
وقد رغب الله المؤمن به أن يصبر عند الصدمة الأولى ويهون عليه ذلك في جنب الله عز وجل ويحتسب ذلك كما في الحديث القدسي الذي يقول الله تعالى فيه : (يا بن آدم إذا أخذت كريمتيك، [أي عينيك] فصبرت واحتسبت [ والاحتساب أن تجعل تلك المصيبة هينة عليك في جنب الله عز وجل ] عند الصدمة الأولى لم أرض لك بثواب دون الجنة) (أخرجه أحمد ح:22282 ).

فهرس الأسئلة